منوعات

سر التوأمين صامويل وجرادي في بريوود 1951

كان للأخوين التوأمين صامويل وجرادي سرٌّ دفين لم يكتشفه أحد طوال سنوات طويلة، سرٌّ يتنفس في ظلال دار الأيتام كأنّه كائن حيّ يراقب كل خطوة. في ليالي الشتاء الباردة من ولاية إنديانا،
كان ضوء المصابيح الخافتة يتسلل من نوافذ الدار القديمة كعيون صفراء مفتوحة، بينما يهمس الريح بين الأشجار المحيطة بها همساتٍ غامضة. لم يكن أحد يعلم أن خلف تلك الجدران الصلبة يكمن لغز أعمق من مجرد احتيال مالي.
في عام ١٩٥١، وبعد وفــ,,ـــــاه المدير العجوز فجأةً بسكته قلبية غامضة لم تُحقق فيها السلطات بما يكفي، تولّى صامويل وجرادي إدارة دار بريوود في مقاطعة كاونتي.

كانا توأمين متماثلين تمامًا، حتى إن الزائرين كانوا يختلط عليهم الأمر أيّهما يتحدث. يرتديان البدلات الداكنة نفسها، ويتحدثان بصوت هادئ منخفض، ويبتسمان الابتسامة نفسها الباردة التي لا تصل إلى عيونهما. قدّما نفسيهما كرجلين منظمين إلى أقصى حد، ملتزمين بالقوانين، حريصين على مصلحة الأطفال.
وسرعان ما أصبحت الدار معروفة بصرامتها الحديدية مواعيد الطعام دقيقة كالساعة، والزيارات ممنوعة إلا بموافقة مكتوبة ممهورة بتوقيع أحدهما، والأطفال ينامون في صمت تام بعد الساعة الثامنة مساءً. كانت الدار تبدو قصة نجاح مثالية على الورق.
لكن تحت هذا النظام الصارم كان شيء ما ينمو في الظلام. خلال عامين فقط ارتفع عدد الأطفال المتبَنّين ارتفاعًا مذهلاً.

كانت التقارير الرسمية تتحدث عن عائلات سعيدة في ولايات بعيدة تستقبل أطفالًا من بريوود، وتحتوي الملفات على توقيعات أنيقة وعناوين مفصّلة وأرقام قضايا تبدو قانونية تمامًا.
غير أن موظفًا مسنًا في مكتب السجل المدني لاحظ شيئًا غريبًا عدد غير قليل من تلك الملفات يفتقر إلى ختم المحكمة الرسمي. عندما سُئل الأخوان عن الأمر، أجابا بهدوء وابتسامة متطابقة مجرد خطأ إداري بسيط، سنصححه فورًا. وأغلق الملف كأن شيئًا لم يكن.
لكن الشكوك لم تمت. بعد أشهر قليلة تلقت الشرطة رسالة مجهولة المصدـ,,ـــر من امرأة ادّعت أنها كانت تعمل في الدار.

قالت إن بعض الأطفال كانوا يُقادون ليلًا من الباب الخلفي دون أن يعودوا، وإن باب مخزن البدروم كان مقفلًا دائمًا بقفل حديدي ضخم لا يفتحه إلا أحد التوأمين. وانقطعت الرسالة فجأة، كأن يدًا خفية أوقفت الكاتبة.
في صباح خريفي من عام ١٩٥٤ وصل مراجع حسابات حكومي دون أي إخطار مسبق. كان الرجل طويلًا نحيفًا، يرتدي نظارة سميكة، ويحمل حقيبة جلدية قديمة. استقبله الأخوان بترحاب بارد، ورافقاه بهدوء إلى غرفة الملفات. هناك،
تحت ضوء مصباح واحد يتأرجح، اكتشف المراجع ما لم يكن يتوقعه دفاتر داخلية سرية لا تطابق السجلات الرسمية أبدًا.

أطفال مسجلون رسميًا على أنهم تُبنّوا منذ أشهر، ما زالوا يظهرون في الدفاتر الداخلية على أنهم موجودون في الدار.
وأطفال آخرون اختفت أسماؤهم تمامًا من كل السجلات.
شعر المراجع بقشعريرة تسري في ظهره وهو يقلّب الصفحات الصفراء. كان هناك شيء أعمق من مجرد تزوير أوراق.أبلغت السلطات فورًا، وحصلت الشرطة على إذن تفتيش عاجل. في ليلة عاصفة، اقتحمت مجموعة من الضباط الدار. في الطابق العلوي وجدوا الأطفال النائمين في أسرتهم النظيفة،
ينظرون بعيون واسعة خائفة. أما في البدروم… فقد وجدوا ما جعل حتى أعتى الضباط يرتجفون.

خلف باب حديدي ثقيل، في غرفة رطبة باردة ذات جدران حجرية، كانوا ثمانية أطفال صغار مختبئين في زوايا مظلــ,,ـــــمة، ينامون على مراتب رقيقة بالية. كانوا صامتين تمامًا، لا يبكون ولا يتكلمون، كأن لسانهم قد قُطع من الخوف. عيونهم الكبيرة السوداء تحدق في الضوء كحيوانات برية محاصرة.
اتضح ان الاطفال المحبوسين في البدروم القبو هم اللذين سجلهم

الاخوين انهم من اللذين تبنوهم الناس في الولايات الاخرى لاشهار اسم الدار بنجاحه منذ توليهما مسؤولية الدار
كما اتضح سريعًا أن الأخوين كانا يتقاضيان إعانات حكومية ضخمة عن أطفال غير موجودين أصلًا. كانا يزوّران أوراق التبني، ويختمانها بأختام مزيفة، ويقدمانها للسلطات ليظهرا أن الدار تؤوي أعدادًا هائلة من الأيتام، بينما العدد الحقيقي أقل بكثير. وكانت الأموال الطائلة تتدفق إلى جيوبهما الخاصة.
لكن اللغز لم ينتهِ هنا. أثناء تفتيش أعمق عثرت الشرطة على دفتر جلدي أسود مخبأ خلف طوبة مخلوعة في جدار البدروم.

كان يحتوي على قوائم بأسماء مشطوبة بخط عريض، وبجانبها كلمة واحدة مكتوبة بخط يد أحد التوأمين تم النقل.
عشرات الأسماء. أطفال اختفوا تمامًا من الوجود. لم يُعثر على أي أثر لهم في أي ولاية، ولا في أي سجل تبنٍّ حقيقي، ولا حتى في مقابــ,,ـــــبر مجهولة. كأن الأرض قد ابتلعتهم.
في قاعة المحكمة وقف التوأمان متماثلين كتمثالين من حجر.
عندما سألهما القاضي بصوت صارم عن سبب فعلتهما، أجاب صامويل أولًا بصوت هادئ مخيف من أجل المال. الدولة تدفع بسخاء لمن يعتني بالأيتام. فقررنا أن نضاعف الأيتام على الورق. وأضاف جرادي مبتسمًا الابتسامة نفسها الباردة كان الأمر سهلاً…

حتى جاء ذلك المراجع الفضولي.
حكمت المحكمة عليهما بالسجــ,,ـــــن المؤبد. سُلّمت إدارة الدار إلى رجل يُدعى توماس هيل، معروف بنزاهته الشديدة. اختفى التوأمان خلف قضبان السجــ,,ـــــن، لكن القائمة الحقيقية التي تحتوي على كل الأسماء المشطوبة… لم يُعثر عليها أبدًا حتى يومنا هذا.
وما زال أهالي كاونتي يهمسون في ليالي الشتاء الطويلة أين ذهب أولئك الأطفال؟ هل نُقلوا حقًا إلى مكان آخر؟ أم أن سرّ الأخوين التوأمين كان أعمق وأظلــ,,ـــــم مما كشفه التحقيق؟

يقال إن بعض السكان المحليين ما زالوا يسمعون في ليالي العواصف أصوات أقدام صغيرة تركض في ممرات دار بريوود المهجورة الآن، وأصوات همسات خافتة تكرر كلمة واحدة تم النقل… تم النقل….
واللغز ما زال مفتوحًا، ينتظر من يجرؤ على البحث عن الحقيقة المدفونة تحت طبقات من الصمت والخوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى